عبد المنعم النمر
107
علم التفسير
ويعطيهم ، ولم يكن علم هؤلاء الأكابر قاصرا على فرع دون فرع ، بل كانوا كالموسوعة ، التي تجد فيها ألوانا شتى من المعارف . . . . من تفسير وقراءات وحديث ، وعلم برجاله ، ورواياته ، ونحو وبلاغة ، وفقه ، وأدب ، وتاريخ . فأخذ عنهم الطبري هذه الموسوعة ، واستوعب هذه العلوم ، وبرع فيها ، وإن اختلفت درجة هذه البراعة . . ولم يكن ذلك غريبا على رجل كالطبري ، فقد وهب حياته للعلم ، وتخفف من كل أثقال الحياة وتبعاتها ، حيث قضى حياته دون زواج . مع استعداد كبير للرضا بالحياة وشظفها ، فكان انتاجه متساوقا مع نبوغه وفهمه وتفرغه ، فترك كثيرا من المؤلفات التي أوصلها بعضهم إلى نحو الثلاثين ، واشتهر منها مؤلفان : « تاريخ الأمم والملوك » ، « وجامع البيان في تأويل آي القرآن » الذي يقع في ثلاثين جزءا وهو الذي يهمنا الحديث عنه الآن . مقدمات سبقته : ولكن قبل أن نتحدث عن هذا التفسير ، لا بد أن نتحدث حديثا موجزا عما سبقه من مقدمات أدت إليه ، فإن مثل هذا التفسير الجامع الكبير ، لا يمكن أن ينشأ دفعة واحدة ، دون محاولات ومقدمات ، ساعدت على ولادته عملاقا . . فقد وضع هذا التفسير في النصف الثاني « 1 » من القرن الثالث الهجري تقريبا ، ولم يكن معنى ذلك أن السنين التي زادت على المائتين والخمسين قبله لم يكن فيها تفسير ، بل كان فيها تفسير ومفسرون ، اشتهروا بقولهم فيه ، في كل عاصمة من عواصم العالم الاسلامي : في مكة ، والمدينة ، وبغداد ، والكوفة ، والبصرة ، ودمشق ، ومصر . وغيرها من بلاد الأندلس والشمال الإفريقي ، وكان الراغبون في التفسير يرحلون إلى هؤلاء المشهورين ويأخذون عنهم . . لكن التفسير كان شأنه كشأن كل علم اسلامى في نشأته ، نشأ صغيرا مبعثرا ، ثم تجمع وكبر بمرور الزمن ، وبذل الجهود . ونحن نعرف أن عصر التدوين للعلوم الاسلامية بمعناه الواسع ، لم يظهر إلا في أيام الدولة العباسية ، وكانت هناك تدوينات سبقت هذا العصر ، في عهد
--> ( 1 ) ذكر الدكتور أحمد الحوفى عنه : أنه ألفه قبل كتابه في التاريخ وأنه قرأه على تلاميذه سنة 282 ه وأملاه عليهم من سنة 283 ه إلى سنة 290 ه كتاب الطبري ص 108 أعلام الاسلام .